محمد كرد علي

121

خطط الشام

الأصل من بناء العرب أو الإفرنج ، المرجح أن هؤلاء طبعوها بطابعهم ، وقالوا لم يخترع العرب أبنية خاصة بهم ، بل تجلى في هندستهم حبهم للزخرف واللطف واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين ، وكان تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار ، مما جعل لجوامعهم وقصورهم بهجة لا يبلى على الدهر جديدها ، ودلت كل الدلالة على إيغالهم في حب النقوش والزينة ، كأن أبنيتهم ومصانعهم ثوب من ثياب الشرق تفنن حائكه في رقشه ونقشه . نعم إن العرب لم يخترعوا ولكنهم اقتبسوا بادئ بدء ، فإن ابن الزبير لما عمر الكعبة دعا إليها بنائين من الفرس والروم ، والوليد لما بنى أمويّ دمشق وأقصى القدس دعا إليهما بنائين من الفرس والروم والهند . ولا جرم فقد برع مهندسو العرب في هذه الديار في علم عقود الأبنية وهي ما يتعرف منه أحوال أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتقنية القنيّ وسد البثوق وتنضيد المساكن . ولو لم يبرعوا في كيفية إيجاد الآلات الثقيلة الرافعة لنقل الثقل العظيم بالقوة اليسيرة لما تمكنوا من عمارة المدن والقلاع والأسوار والمنازل والجوامع والمدارس هذا التمكن الذي يبهرنا اليوم أثره . ومالت الهندسة الشامية إلى السذاجة لأول انتشار النصرانية ، فكانوا يجتنبون كل زينة زائدة لتؤثر بمتانة البناء المعمول بالحجارة الضخمة ، وجمال الحجم وترتيب الأجسام . ونشأت بين القرن الرابع والسادس للميلاد هندسة متينة تختلف عن الهندسات الأخرى ، منها بعض أمثلة في الشام العليا وحوران . ويقول جلابرت : إنه كان لأهالي الشام الوسطى هندسة قائمة بذاتها مباينة لفن البناء الذي أشاعه الرومان في الشام ، وهو بناء قديم يدعى بالطراز الشامي لا أثر فيه للطرق الرومانية والشرقية المحضة في البناء ، وعلاقته ظاهرة بالهندسة اليونانية الشائعة في أنطاكية ، وقد نشأ عنه طرز مركب شاع في القرون الأخيرة ، وطرق البناء في حوران تختلف عن الهندسة الشمالية فتألف طرز وطني مباين للطرز اليوناني الذي أدخله السلوقيون . ومن أهم أبنية القرون الوسطى وتدل على ذوق جميل في البناء ، المدارس الكبرى في حلب ودمشق والقدس وغيرها من البلدان ، والقليل الباقي منها إلى الآن شاهد على وجه الأيام بما صار للمهندس الشامي من حسن الذوق ، ومنها